صديق الحسيني القنوجي البخاري

51

فتح البيان في مقاصد القرآن

المشركين بأن الملائكة بنات اللّه لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق ، فلو أراد أن يتخذ ولدا لامتنع اتخاذ الولد حقيقة ، ولم يتأت ذلك إلا بأن يصطفي مِمَّا يَخْلُقُ أي يختار من جملة خلقه . ما يَشاءُ أن يصطفيه إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق لعدم المجانسة بينهما ، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبدا ، كما يفيده التعبير بالاصطفاء ، مكان الاتخاذ ، فمعنى الآية لو أراد أن يتخذ ولدا لوقع منه شيء ليس هو من اتخاذ الولد ، بل إنما هو الاصطفاء لبعض مخلوقاته ، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الولد على الإطلاق فقال : سُبْحانَهُ أي تنزيها له عن ذلك وجملة هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ مبينة لتنزهه بحسب الصفات بعد تنزهه بحسب الذات ، أي هو المستجمع لصفات الكمال المتوحد في ذاته فلا مماثل له . الْقَهَّارُ لكل مخلوقاته ، ومن كان متصفا بهذه الصفات استحال وجود الولد في حقه ، لأن الولد مماثل لوالده ، ولا مماثل له سبحانه ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [ الأنبياء : 17 ] والآية إشارة إلى قياس استثنائي حذفت صغراه ، ونتيجته تقريرهما ، لكنه لم يصطف أي لم يتخذ ولدا ، وهذا النفي باعترافهم شامل لسائر الخلائق ، فلم يرد اتخاذ الولد ، تأمل . ثم لما ذكر سبحانه كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا قهارا ذكر ما يدل على ذلك من صفاته فقال : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي لم يخلقهما باطلا لغير شيء ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه استحال أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد ، ثم بين كيفية تصرفه في السماوات والأرض فقال : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه على بعض ، يقال كور المتاع ، إذا ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة ، فمعنى تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه ، ومعنى تكوير النهار على الليل تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته ، وهو معنى قوله تعالى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [ الأعراف : 54 ] هكذا قال قتادة وغيره قال الضحاك : أي يلقي هذا على هذا ، وهذا على هذا ، وهو مقارب للقول الأول . وقيل معنى الآية أن ما نقص من الليل دخل في النهار ، وما نقص من النهار دخل في الليل ، وهو معنى قوله يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [ الحج : 61 ] ومنتهى النقصان تسع ساعات ، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة ، وقيل : المعنى أن هذا يكر على هذا ، وهذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، قال الراغب تكوير الشيء إدارته ، وضم بعضه على بعض ، ككور العمامة اه .